الفيض الكاشاني

16

أنوار الحكمة

وذهنا ، وإن كان المفهوم من الماهيّة غير المفهوم من الوجود في اعتبار العقل ، فهما متّحدان اتّحاد الأمر العينيّ مع المفهوم الاعتباري ، ولكلّ منهما تقدّم على الآخر ، لا بمعنى التأثير ، إذ لا معنى لتأثير الماهيّة في الوجود - وإلّا لزم أن تكون قبل الوجود موجودة - ولا لتأثير الوجود في الماهيّة ، لأنّها ليست مجعولة ولا موجودة في نفسها لنفسها . بل تقدّم الوجود عليها عبارة عن أصالته في التحقّق ومتبوعيّته لها . وتقدّمها على الوجود عبارة عن صحّة ملاحظة العقول إيّاها وحدها من غير ملاحظة الوجود - لا العيني ، ولا الذهني - وبهذا الاعتبار يصير الوجود نعتا لها ، ويحكم عليه بأنّه زائد عليها ؛ وإلّا فالحقيقة العينيّة ليست إلّا للوجود . نور [ من أدلّة أصالة الوجود ] كيف لا يكون للوجود حقيقة عينيّة ، وغيره به يكون متحقّقا وكائنا في الأعيان أو في الأذهان ؛ فهو الذي به ينال كلّ ذي حقّ حقّه ؛ فهو أحقّ الأشياء بأن يكون ذا حقيقة ، كما أنّ البياض أولى بأن يكون أبيض ممّا ليس ببياض ، ويعرض له البياض . ومن هنا قيل : « الوجود حقيقته أنّه في الأعيان ، لا غير » وكيف لا يكون في الأعيان ما هذه حقيقته . وأيضا : الوجود نقيض العدم ، والنقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ، والعدم لا تحقّق له في الأعيان أصلا ؛ فالوجود متحقّق فيها قطعا . نور [ الوجود لا يعرّف بالحدّ والرسم ] ومن ثمّة لا يمكن تصوّر الوجود بالحدّ ولا بالرسم ولا بصورة مساوية له ؛ إذ تصوّر الشيء عبارة عن حصول معناه وانتقاله من حدّ العين إلى حدّ الذهن ؛ وكلّ ما كان حقيقته أنّه في الأعيان ، فيمتنع أن يكون في الأذهان ، وإلّا لزم انقلاب الحقيقة .